العلم هو أساس تقدم الأمم ومعيار تفوقها في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، لذلك فإن كافة المجتمعات توليه أهمية قصوى، ويقاس تطور الأمم بتطور أجهزتها التعليمية، فالتربية الصحيحة هي أساس تنمية العنصر البشري. وبالمعرفة وحدها تكسر الأمم حاجز التكنولوجيا والتطور والتقنية وتكون قادرة على التكيف والتفاعل الإيجابي مع البيئة التي تعيش فيها.
ولما كان التعليم استثماراً بشرياً يعود بالنفع على الفرد والمجتمع، متمثلاً في النهوض بالتنمية الشاملة ورفع المستوى الاجتماعي والاقتصادي، فقد رصدت له إمكانات ضخمة مادية وبشرية، وعقدت الآمال على النظم التعليمية لتحقيق أعلى عائد في الكم والكيف بأقل تكلفة ممكنة، حتى يسهم النظام التعليمي في تنمية الإنسان محور التنمية بالمجتمع، وذلك بشكل فعال وبكفاءة عالية.
وبالرغم من أن الكثير من البلدان العربية قامت برصد ميزانيات ضخمة من أجل مواجهة متطلبات العملية التعليمية، إلا أن القطاع التعليمي ما زال يواجه مشكلات متعددة، أدى بروزها إلى تأخير مسيرة التنمية في الكثير من تلك البلدان.
ونناقش فيما يلي بعض المشكلات التربوية ونلقي الضوء عليها:
1- مشكلة الفاقد التربوي:
تعتبر قضية الفاقد التعليمي واحدة من القضايا التعليمية الشائكة، وهي تشكل قوة مدمرة لكفاءة النظام التربوي والجهود المبذولة لتطويره، حيث أشارت إحصاءات التعليم في الدول العربية إلى أن مشكلة الفاقد التربوي تستحوذ على 20 % من ميزانيات التعليم في تلك الدول، إضافة إلى ذلك فهي تتسبب في الكثير من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية.
والفاقد التعليمي يأتي دائما بسبب ضعف نتاج العملية التربوية وتنشأ عنه مشكلات تربوية واجتماعية تتمثل في عجز النظام التعليمي عن الاحتفاظ بالملتحقين به، حيث يتسرب الطلاب ويتركون دراستهم قبل إكمالها، وعندما نقول إن هنالك فاقداً تعليمياً أو تربوياً فهذا يعني أن النظام التعليمي قد عجز عن إيصال عدد كبير من الطلاب إلى المستويات العليا المطلوبة، ويمكن تعريفه على أنه حجم الفاقد من التعليم نتيجة الرسوب والتسرب في أي صف من الصفوف ولأي سبب من الأسباب، ويقصد بالرسوب تكرار بقاء الطالب في أي صف من الصفوف لأكثر من عام دراسي.
ولجأت الكثير من الدول العربية إلى تبني بعض الخطط من أجل تفادي تلك المشكلة الخطيرة، فأدخلت الكثير منها أنظمة التعليم الفني والمهني لاستيعاب أكبر عدد من الطلاب الذين يرسبون في مرحلة من المراحل أو أولئك الذين لا تلتقي ميولهم مع ميول المدارس الأكاديمية العادية.
2- الرسوب غير المتوقع:
يفاجأ الكثير من الآباء والمعلمين برسوب الطالب بالرغم من مستواه الجيد أثناء العام الدراسي مما يسبب القلق للطلاب والآباء على حد سواء. ونستعرض فيما يلي ومن خلال رأي الدكتور عبدالرزاق الحمد، أستاذ علم النفس بجامعة الملك سعود، أهم أسباب وتبعات هذه الظاهرة:
( تمثل الامتحانات أو الاختبارات ضغطاً نفسياً من حيث الاستعداد لها والتحضير، ومن حيث الخوف من نتائجها ومستوى التحصيل فيها، كما أنها تمثل وضعاً مخيفاً يرهب الطالب بمواجهته والدخول فيه». ويضيف:
الطلبة المتميزون أصناف: منهم صنف لديه استعداد للتفاعل مع الحدث
والضغط النفسي بحساسية مفرطة تؤدي إلى حدوث قلق شديد وخوف مرتفع جداً يسبب للطالب إعاقة كبيرة في تركيزه واستيعابه وقوة تحصيله، مما يجعله ينهار في يوم الامتحان، ولا يتمكن من مواجهته والدخول فيه ويزداد ذلك القلق والخوف بالتأثير السلبي الذي يحدث للغياب من الاختبار الأول مما يعرقل دخول الثاني وهكذا.
ومن الطلبة المتميزين صنف يتصف في شخصيته بالدقة الشديدة والحرص الزائد والمثالية النظرية البعيدة عن الواقع حيث لا يرى أبداً نفسه إلا بتحقيق الدرجة العالية والمستوى الرفيع وأي نقص في ذلك يهزه هزاً عنيفاً، ويكون هؤلاء من الذين يضخمون الأمور ويبالغون فيها. ويزيدهم حرصهم هذا ومثاليتهم قلقاً على مستواهم، حيث يفقدون الثقة في تحصيلهم وقدرتهم على الأداء الجيد في الاختبارات مما يشعرهم بأنهم لم يستعدوا جيداً ولم يقوموا بالدراسة كما ينبغي فيزيد الأمور سوءاً وإحباطاً، وتتزعزع ثقتهم بأنفسهم فيحدث الانهيار والخوف والقلق وضيق الصدر والاكتئاب ومن ثم الهروب من الاختبار والتخلف عنه.
ويضيف الدكتور عبدالرزاق عامل تهيب المنافسة كعامل يساعد على حدوث الفشل في الاختبارات، ويعزو ذلك إلى الشحن النفسي الزائد الذي يتعرض له الطالب.
وعن المراحل التي يتعرض فيها الطالب إلى مثل هذه الحالات يقول الدكتور عبدالرزاق: إن الطالب يكون أكثر عرضة لحالات الانهيار أثناء الامتحان والفشل في أدائه في الفصول النهائية، وعند الانتقال إلى مرحلة جديدة كالثانوية العامة مثلا.
ويؤكد الدكتور عبدالرزاق أن المشكلة ممكنة العلاج إذا ما تفاعل الآباء معها وقاموا بعرض أبنائهم على المختصين في الطب النفسي، أو حاولوا تقديم النصح والإرشاد لهم.
3- مشكلة الروتين والنمطية:
تعاني معظم أنظمة التعليم في بلداننا من مشكلة الروتين والنمطية التي تتباين نسبها بين المنهج والمعلم والخطط والإدارة التربوية، ونستعرض هنا تبعات المشكلة من خلال عرض لرأي الأستاذة خيرية السقاف التي تقول فيه:
( لأن التعليم أثبت أنه يتجه نحو الروتين، والنمطية، وآلياته لا ابتكار فيها، ولا تحديث لها.. الأمر الذي جمدت فيه العقول، وفترت الهمم، وعجزت القدرات، وقتلت المواهب، فإنه لا بد من تحقيق صحوة على أيدي الفئات المختصة من مسؤولي التعليم من القمة إلى القاعدة.)
ويحاول الخبراء والمختصون بمختلف قطاعاتهم طرح قضية الفاقد التعليمي في كافة المستويات، فالقضية ليست مجرد قضية فاقد تعليمي فقط، إنما هي قضية تمس الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية بل السياسية بشكل مباشر.
وأكثر ما يزعج الآباء والأسر وجود أولادهم وبناتهم خارج دائرة التعليم لسبب أو لآخر، فالحياة في عصرنا الحالي تتطلب المزيد من التسلح بسلاح العلم الذي أصبح يتطور يوما بعد الآخر، وأصبح مصير كل من لم يجد حظا كافيا من التعليم الأكاديمي أو الفني الفشل والمعاناة في الحياة.
وترى السقاف أن أهم سبل الحلول لمعضلة الفاقد أو الهدر التعليمي تتمثل في:
دراسة واقع التعليم عن طريق تحليل مناهجه بدءاً بخططها الأساس ومروراً بمحتوياتها المقدِّمة.
طرح أفكار ومقترحات في ندوات مصغرة، أو مؤتمرات منظمة، أو لقاءات مختلفة، على نطاق واسع.
تبادل الخبرات بين كافة المختصين في الدول العربية والأجنبية.
تقويم آليات التنفيذ لكل خبرة أو مقترح تقدمه لجان وملتقيات المختصين.
وضع تصور تتابعي لما يمكن أن يتم من احتياجات تطوير أو تعديل أو إلغاء أو إضافة في مكونات التعليم كافة، إمعاناً في الرغبة نحو مواكبة الواقع وربطه بما مضى وبما سيلحق في ضوء الراهن المتحرك في مجال المعارف والعلوم والتقانة.
المشكلات المتعلقة بأداء الواجب المنزلي:
يتضجر الكثير من الطلاب ويصيبهم الملل من جراء أداء الواجبات المنزلية، مما يسبب ضعفا في أدائهم وتحصيلهم، وينقسم العيب بالتساوي على الأسرة والمدرسة والطالب بالتساوي، فعند حدوث مثل ذلك التضجر فأن الأسرة في الغالب لم تستطع القيام بدورها المناط بها في تهيئة الجو المناسب للطالب ليقوم بأداء واجباته المدرسية، وتقصير المدرسة يأتي من أنها لربما لم تقم بالقياس الصحيح لحجم الواجبات المنزلية مما تسبب في خلق نوع من الضغط على الطالب، أما الطالب نفسه فربما كان السبب في تضجره هو عدم تمكنه من اتباع الخطوات الصحيحة لحل واجباته. وبالنسبة للطالب حتى لا يعرض نفسه لضغوط حل الواجبات المنزلية فإننا نقدم له نصيحة الباحثة الأمريكية لويز روبنسون التي تتكون من خمس نقاط هي:
أولا: تجنب الشعور بالضجر والملل، والحرص على أخذ فسحة من الراحة أثناء أداء الواجب المنزلي وذلك للمساعدة على التركيز والانتباه
ثانياً: التأكد من وجود مشروب أو سندوتش خفيف يغني عن الدلوف من حين لآخر إلى المطبخ مما يفقد متابعة العمل ويقطع الأفكار.
ثالثاً: الاستعانة بالوالدين إذا لزم الأمر.
رابعا: سؤال المدرس عن أية مسألة فيها صعوبة.
خامسا: تجنب كل الأسباب التي قد تؤخرك عن حل الواجب.
بعض المعلمين يعتقدون أنهم سيكونون متميزين في أدائهم التربوي من أول يوم يذهبون فيه
للمدرسة، بينما أثبتت الدراسات العلمية في مجال علم النفس التربوي أن المعلم يمر بعدة مراحل قبل أن يصل إلى إثبات وجوده وقدرته على التفكير في أساليبه، ففي بداية توظيفه لا يفكر المعلم سوى في نفسه من حيث أنه يريد أن يظهر بمظهر المعلم الناجح، ولذلك يتضايق إن وقعت منه أخطاء ويحس أحيانا بالإحباط، ولكن ما على المعلم أن يفهمه هو أن هذا الحال طبيعي جدا، ولا يعظم من شأن أخطائه وإنما يحاول قدر جهده أن يتداركها.
بعض المعلمين أيضا من الأصل لا يحبون جو المدرسة، ولا يحبون أن يصبحوا معلمين، وأحيانا ربما لا يحبون مجال تخصصهم، ولذلك تجدهم دائما في حال وقوعهم في الأخطاء يرجعون سبب ذلك إلى عدم محبتهم لمجال التعليم، وربما يكون أمور أخرى خارجة عن إرادته هي ما دفعه لاختيار هذه المهنة، وبعض المعلمين اختاروا هذه المهنة مجبرين لعدم توفر خيارات أخرى، ولكن ما الحل في مثل هذه الحالة؟
في اعتقادي أن الحل هو بيد المعلم نفسه، فهو الذي يردد لنفسه دائما أنه لا يحب هذه المهنة ولا يحب جو المدرسة، ويحكي ذلك للآخرين من زملائه ورفقائه، ولكن ماذا لو استطاع أن يحبب لنفسه هذه المهنة؟ أعتقد أن الأمور ستصبح مختلفة تماما. لذلك من الحلول المقترحة لهذه المعضلة أن يحاول المعلم دائما أن يحبب نفسه للمهنة وأن يحس بقيمتها وأهميتها،يحاول ذلك قدر إمكانه، وبدل أن يستيقظ في الصباح ليقول لنفسه أنه لا يحب هذه المهنة يغير من هذه العادة ويقول لنفسه أنه يحب هذه المهنة ويأتي بأسباب مقنعة، ويحاول أن يحرك الدافعية لديه ليؤدي دوره بإتقان، وبدل أن يفكر أنه لا يحب هذه المهنة ولذلك تصدر منه أخطاء قد يستكبرها، فإنه يفكر في سؤال واحد فقط هو: كيف أحسن من أدائي في هذه المهنة العظيمة؟ يشغل باله بهذه القضية يوميا، ويحاول أن يأتي بـأفكار تساعده في أدائه اليومي. هذا هو إحدى الحلول، وفي نظري إذا لم يتمكن المعلم من التحسن في أدائه وشعوره نحو مهنته خلال 3 سنوات فعليه أن يفكر في حلول أخرى ولو كانت أصعب من هذا خاصة إذا أحس إحساسا عميقا أنه لا يتمكن من أداء المهمة بنجاح. ولكن في اعتقادي أن المعلم لو كان فعلا مخلصا في البحث عن حلول لمشاكل مهنته فسوف يجدها ويستمتع بمهنة التعليم. حاول أيها المعلم أن لا تستمع لأولئك الذين يحاولون أن يسيئوا لمهنة التعليم بذمها، فإن ذلك قد يضرك أيضا، ولكن جالس المعلمين المخلصين في عملهم وحاول أن تستفيد من أساليبهم وأن تعرف لماذا هم ناجحون في مهنتهم ويحبونها، فبالتأكيد ستجد لديهم أسباب مقنعة لذلك مهما قيل لك عن سوء حال المعلم في البلدان العربية وقلة الاهتمام به وبتحسين أحواله المهنية. اعمل لوجه لله وأخلص لله في عملك فأنت مسئول عنه، واجعل من عملك الذي هو عبادة متعة لك ولطلابك.
البعض من المعلمين يشتكي من مشاغبة الطلاب وعدم وجود الدافعية لديهم ليتعلموا، وأقول أن هذا موجود في ظل مجتمعات يعظم إعلامها الفنانين الماجنين والمغنين، ولا تجد لأهل العلم والعلماء في إعلامها ذكرا، ولا حول ولا قوة إلا بالله، مع ما نجده من الدافعية المنخفضة جدا لدى الطلاب نتيجة سعي الناس وراء المال وحده وانتشار البطالة، فالطالب في هذه الأيام عادة ما يجد المجتمع يركز على ما يحصل عليه طلاب العلم من وظائف ومناصب، ولذلك فعندما أصبح الطالب الجامعي لا يجد وظيفة مناسبة أصبح العلم في نظر الكثيرين بلا فائدة، وأصبح لدى الطلاب أيضا هذه النظرة، أي لماذا أتعلم سنوات وأدخل الجامعة سنوات أخرى وفي النهاية لا أجد وظيفة لي في بلدي؟ وهذا تساؤل قد تعذر البعض عليه خاصة في هذا العالم المادي الذي يمجد المال وأهله، وفي هذا العالم الذي أصبحت البطالة فيه تهدد الشباب بالفقر والضياع، خصوصا أولئك أصحاب الإيمان الضعيف الذين لم تخشع قلوبهم للقرآن وهو يتلى عليهم: " الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم ". وعندما تأتيني الوساوس بشأن الرزق أتذكر هذه الآية فأحس بنوع من الاطمئنان مع ضعف إيماني الذي أرجو أن يقوى ليواجه التحديات بأنواعها، فبدون الإيمان يصبح الإنسان عرضة للخراب. نعود لحديثنا وأقول إن من أسباب المشاغبة لدى التلاميذ هو انخفاض الدافعية لديهم، ويقول لي ابن أخي الذي يدرس في الإعدادية أنه رغم أن إدارة المدرسة عندهم متشددة في مسألة الغياب إلا أن الكثير من الطلاب يغيبون. ويضيف: لو أن المدرسة لم تشدد في الغياب فأظن أن ذلك سيؤدي إلى غياب نصف الطلاب تقريبا!!!. هذه قضية خطيرة على الأمة جميعا، وأتذكر أنني قرأت أن التربويين في الولايات المتحدة دقوا ناقوس الخطر بسبب تراجع بسيط في أداء النظام التعليمي لديهم ما جعلهم يشعرون أن بعض الدول مثل اليابان قد سبقتهم في هذا المجال، فبدأوا بمشروع وطني ضخم جدا لتحسين نظام التعليم وتطوير أداءه، وفعلا قاموا بإعداده ونفذوه بحزم، بينما تجد أنظمة التعليم في بلادنا مهددة بالخطر ولا تحرك ساكنا، بل قد فشلت في الكثير من الأحيان في جعل الطلاب يتعلمون بعد أن وصل مستوى الدافعية لديهم إلى هذا المنحدر الخطير، فقومي يا أمة من سباتك العميق واستيقظي من غفلتك فالتعليم في خطر! أقول هذا وأنا مليء بالأسى على حالنا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
المعلمون لا يحبون مهنة التعليم، والطلاب لا يحبون الدراسة، والمدير كأنه يقود جيشا لا مدرسة، فكيف تريد لهذه الأمة أن تتقدم في تعليمها وأنت ترى دافعيتها للتعلم دون المستوى، فلماذا نفتح المدارس وننفق الأموال على العلم وفي النهاية لا نحقق أدنى ما نريده من ذلك!!
أين ذكر العلم في الإعلام! ألا يوجد لدينا غير المهرجانات أو الفنانين والفنانات الذين يتبادلون القبل أمام الناس لنتكلم فيها عبر إعلامنا ؟!! ألا يوجد لدينا تقدير للعلم وأهل العلم؟!! لماذا يفشل من يريد أن يتعلم في البلاد العربية فيذهب إلى الغرب الذي يستفيد منه كل الفائدة ويأخذ عصارة علمه وفكره؟!!
الحديث ذو شجون وقد وجدت نفسي أكتب هذا الموضوع فلا أقف عند حد ووصل بي الأمر إلى الحديث عن هجرة العقول فكلها أمور متشابكة في نظري، وأتمنى أن يتم نقاش الموضوع فهو جد مهم وخطير، مناقشته من زاويتين:
أسباب انخفاض الدافعية لدى الطلاب وطرق علاج ذلك
أسباب انخفاض الدافعية لدى المعلم للتعليم وطرق علاج ذلك، وكيف يحبب نفسه للمهنة
ولما كان التعليم استثماراً بشرياً يعود بالنفع على الفرد والمجتمع، متمثلاً في النهوض بالتنمية الشاملة ورفع المستوى الاجتماعي والاقتصادي، فقد رصدت له إمكانات ضخمة مادية وبشرية، وعقدت الآمال على النظم التعليمية لتحقيق أعلى عائد في الكم والكيف بأقل تكلفة ممكنة، حتى يسهم النظام التعليمي في تنمية الإنسان محور التنمية بالمجتمع، وذلك بشكل فعال وبكفاءة عالية.
وبالرغم من أن الكثير من البلدان العربية قامت برصد ميزانيات ضخمة من أجل مواجهة متطلبات العملية التعليمية، إلا أن القطاع التعليمي ما زال يواجه مشكلات متعددة، أدى بروزها إلى تأخير مسيرة التنمية في الكثير من تلك البلدان.
ونناقش فيما يلي بعض المشكلات التربوية ونلقي الضوء عليها:
1- مشكلة الفاقد التربوي:
تعتبر قضية الفاقد التعليمي واحدة من القضايا التعليمية الشائكة، وهي تشكل قوة مدمرة لكفاءة النظام التربوي والجهود المبذولة لتطويره، حيث أشارت إحصاءات التعليم في الدول العربية إلى أن مشكلة الفاقد التربوي تستحوذ على 20 % من ميزانيات التعليم في تلك الدول، إضافة إلى ذلك فهي تتسبب في الكثير من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية.
والفاقد التعليمي يأتي دائما بسبب ضعف نتاج العملية التربوية وتنشأ عنه مشكلات تربوية واجتماعية تتمثل في عجز النظام التعليمي عن الاحتفاظ بالملتحقين به، حيث يتسرب الطلاب ويتركون دراستهم قبل إكمالها، وعندما نقول إن هنالك فاقداً تعليمياً أو تربوياً فهذا يعني أن النظام التعليمي قد عجز عن إيصال عدد كبير من الطلاب إلى المستويات العليا المطلوبة، ويمكن تعريفه على أنه حجم الفاقد من التعليم نتيجة الرسوب والتسرب في أي صف من الصفوف ولأي سبب من الأسباب، ويقصد بالرسوب تكرار بقاء الطالب في أي صف من الصفوف لأكثر من عام دراسي.
ولجأت الكثير من الدول العربية إلى تبني بعض الخطط من أجل تفادي تلك المشكلة الخطيرة، فأدخلت الكثير منها أنظمة التعليم الفني والمهني لاستيعاب أكبر عدد من الطلاب الذين يرسبون في مرحلة من المراحل أو أولئك الذين لا تلتقي ميولهم مع ميول المدارس الأكاديمية العادية.
2- الرسوب غير المتوقع:
يفاجأ الكثير من الآباء والمعلمين برسوب الطالب بالرغم من مستواه الجيد أثناء العام الدراسي مما يسبب القلق للطلاب والآباء على حد سواء. ونستعرض فيما يلي ومن خلال رأي الدكتور عبدالرزاق الحمد، أستاذ علم النفس بجامعة الملك سعود، أهم أسباب وتبعات هذه الظاهرة:
( تمثل الامتحانات أو الاختبارات ضغطاً نفسياً من حيث الاستعداد لها والتحضير، ومن حيث الخوف من نتائجها ومستوى التحصيل فيها، كما أنها تمثل وضعاً مخيفاً يرهب الطالب بمواجهته والدخول فيه». ويضيف:
الطلبة المتميزون أصناف: منهم صنف لديه استعداد للتفاعل مع الحدث
والضغط النفسي بحساسية مفرطة تؤدي إلى حدوث قلق شديد وخوف مرتفع جداً يسبب للطالب إعاقة كبيرة في تركيزه واستيعابه وقوة تحصيله، مما يجعله ينهار في يوم الامتحان، ولا يتمكن من مواجهته والدخول فيه ويزداد ذلك القلق والخوف بالتأثير السلبي الذي يحدث للغياب من الاختبار الأول مما يعرقل دخول الثاني وهكذا.
ومن الطلبة المتميزين صنف يتصف في شخصيته بالدقة الشديدة والحرص الزائد والمثالية النظرية البعيدة عن الواقع حيث لا يرى أبداً نفسه إلا بتحقيق الدرجة العالية والمستوى الرفيع وأي نقص في ذلك يهزه هزاً عنيفاً، ويكون هؤلاء من الذين يضخمون الأمور ويبالغون فيها. ويزيدهم حرصهم هذا ومثاليتهم قلقاً على مستواهم، حيث يفقدون الثقة في تحصيلهم وقدرتهم على الأداء الجيد في الاختبارات مما يشعرهم بأنهم لم يستعدوا جيداً ولم يقوموا بالدراسة كما ينبغي فيزيد الأمور سوءاً وإحباطاً، وتتزعزع ثقتهم بأنفسهم فيحدث الانهيار والخوف والقلق وضيق الصدر والاكتئاب ومن ثم الهروب من الاختبار والتخلف عنه.
ويضيف الدكتور عبدالرزاق عامل تهيب المنافسة كعامل يساعد على حدوث الفشل في الاختبارات، ويعزو ذلك إلى الشحن النفسي الزائد الذي يتعرض له الطالب.
وعن المراحل التي يتعرض فيها الطالب إلى مثل هذه الحالات يقول الدكتور عبدالرزاق: إن الطالب يكون أكثر عرضة لحالات الانهيار أثناء الامتحان والفشل في أدائه في الفصول النهائية، وعند الانتقال إلى مرحلة جديدة كالثانوية العامة مثلا.
ويؤكد الدكتور عبدالرزاق أن المشكلة ممكنة العلاج إذا ما تفاعل الآباء معها وقاموا بعرض أبنائهم على المختصين في الطب النفسي، أو حاولوا تقديم النصح والإرشاد لهم.
3- مشكلة الروتين والنمطية:
تعاني معظم أنظمة التعليم في بلداننا من مشكلة الروتين والنمطية التي تتباين نسبها بين المنهج والمعلم والخطط والإدارة التربوية، ونستعرض هنا تبعات المشكلة من خلال عرض لرأي الأستاذة خيرية السقاف التي تقول فيه:
( لأن التعليم أثبت أنه يتجه نحو الروتين، والنمطية، وآلياته لا ابتكار فيها، ولا تحديث لها.. الأمر الذي جمدت فيه العقول، وفترت الهمم، وعجزت القدرات، وقتلت المواهب، فإنه لا بد من تحقيق صحوة على أيدي الفئات المختصة من مسؤولي التعليم من القمة إلى القاعدة.)
ويحاول الخبراء والمختصون بمختلف قطاعاتهم طرح قضية الفاقد التعليمي في كافة المستويات، فالقضية ليست مجرد قضية فاقد تعليمي فقط، إنما هي قضية تمس الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية بل السياسية بشكل مباشر.
وأكثر ما يزعج الآباء والأسر وجود أولادهم وبناتهم خارج دائرة التعليم لسبب أو لآخر، فالحياة في عصرنا الحالي تتطلب المزيد من التسلح بسلاح العلم الذي أصبح يتطور يوما بعد الآخر، وأصبح مصير كل من لم يجد حظا كافيا من التعليم الأكاديمي أو الفني الفشل والمعاناة في الحياة.
وترى السقاف أن أهم سبل الحلول لمعضلة الفاقد أو الهدر التعليمي تتمثل في:
دراسة واقع التعليم عن طريق تحليل مناهجه بدءاً بخططها الأساس ومروراً بمحتوياتها المقدِّمة.
طرح أفكار ومقترحات في ندوات مصغرة، أو مؤتمرات منظمة، أو لقاءات مختلفة، على نطاق واسع.
تبادل الخبرات بين كافة المختصين في الدول العربية والأجنبية.
تقويم آليات التنفيذ لكل خبرة أو مقترح تقدمه لجان وملتقيات المختصين.
وضع تصور تتابعي لما يمكن أن يتم من احتياجات تطوير أو تعديل أو إلغاء أو إضافة في مكونات التعليم كافة، إمعاناً في الرغبة نحو مواكبة الواقع وربطه بما مضى وبما سيلحق في ضوء الراهن المتحرك في مجال المعارف والعلوم والتقانة.
المشكلات المتعلقة بأداء الواجب المنزلي:
يتضجر الكثير من الطلاب ويصيبهم الملل من جراء أداء الواجبات المنزلية، مما يسبب ضعفا في أدائهم وتحصيلهم، وينقسم العيب بالتساوي على الأسرة والمدرسة والطالب بالتساوي، فعند حدوث مثل ذلك التضجر فأن الأسرة في الغالب لم تستطع القيام بدورها المناط بها في تهيئة الجو المناسب للطالب ليقوم بأداء واجباته المدرسية، وتقصير المدرسة يأتي من أنها لربما لم تقم بالقياس الصحيح لحجم الواجبات المنزلية مما تسبب في خلق نوع من الضغط على الطالب، أما الطالب نفسه فربما كان السبب في تضجره هو عدم تمكنه من اتباع الخطوات الصحيحة لحل واجباته. وبالنسبة للطالب حتى لا يعرض نفسه لضغوط حل الواجبات المنزلية فإننا نقدم له نصيحة الباحثة الأمريكية لويز روبنسون التي تتكون من خمس نقاط هي:
أولا: تجنب الشعور بالضجر والملل، والحرص على أخذ فسحة من الراحة أثناء أداء الواجب المنزلي وذلك للمساعدة على التركيز والانتباه
ثانياً: التأكد من وجود مشروب أو سندوتش خفيف يغني عن الدلوف من حين لآخر إلى المطبخ مما يفقد متابعة العمل ويقطع الأفكار.
ثالثاً: الاستعانة بالوالدين إذا لزم الأمر.
رابعا: سؤال المدرس عن أية مسألة فيها صعوبة.
خامسا: تجنب كل الأسباب التي قد تؤخرك عن حل الواجب.
بعض المعلمين يعتقدون أنهم سيكونون متميزين في أدائهم التربوي من أول يوم يذهبون فيه
للمدرسة، بينما أثبتت الدراسات العلمية في مجال علم النفس التربوي أن المعلم يمر بعدة مراحل قبل أن يصل إلى إثبات وجوده وقدرته على التفكير في أساليبه، ففي بداية توظيفه لا يفكر المعلم سوى في نفسه من حيث أنه يريد أن يظهر بمظهر المعلم الناجح، ولذلك يتضايق إن وقعت منه أخطاء ويحس أحيانا بالإحباط، ولكن ما على المعلم أن يفهمه هو أن هذا الحال طبيعي جدا، ولا يعظم من شأن أخطائه وإنما يحاول قدر جهده أن يتداركها.
بعض المعلمين أيضا من الأصل لا يحبون جو المدرسة، ولا يحبون أن يصبحوا معلمين، وأحيانا ربما لا يحبون مجال تخصصهم، ولذلك تجدهم دائما في حال وقوعهم في الأخطاء يرجعون سبب ذلك إلى عدم محبتهم لمجال التعليم، وربما يكون أمور أخرى خارجة عن إرادته هي ما دفعه لاختيار هذه المهنة، وبعض المعلمين اختاروا هذه المهنة مجبرين لعدم توفر خيارات أخرى، ولكن ما الحل في مثل هذه الحالة؟
في اعتقادي أن الحل هو بيد المعلم نفسه، فهو الذي يردد لنفسه دائما أنه لا يحب هذه المهنة ولا يحب جو المدرسة، ويحكي ذلك للآخرين من زملائه ورفقائه، ولكن ماذا لو استطاع أن يحبب لنفسه هذه المهنة؟ أعتقد أن الأمور ستصبح مختلفة تماما. لذلك من الحلول المقترحة لهذه المعضلة أن يحاول المعلم دائما أن يحبب نفسه للمهنة وأن يحس بقيمتها وأهميتها،يحاول ذلك قدر إمكانه، وبدل أن يستيقظ في الصباح ليقول لنفسه أنه لا يحب هذه المهنة يغير من هذه العادة ويقول لنفسه أنه يحب هذه المهنة ويأتي بأسباب مقنعة، ويحاول أن يحرك الدافعية لديه ليؤدي دوره بإتقان، وبدل أن يفكر أنه لا يحب هذه المهنة ولذلك تصدر منه أخطاء قد يستكبرها، فإنه يفكر في سؤال واحد فقط هو: كيف أحسن من أدائي في هذه المهنة العظيمة؟ يشغل باله بهذه القضية يوميا، ويحاول أن يأتي بـأفكار تساعده في أدائه اليومي. هذا هو إحدى الحلول، وفي نظري إذا لم يتمكن المعلم من التحسن في أدائه وشعوره نحو مهنته خلال 3 سنوات فعليه أن يفكر في حلول أخرى ولو كانت أصعب من هذا خاصة إذا أحس إحساسا عميقا أنه لا يتمكن من أداء المهمة بنجاح. ولكن في اعتقادي أن المعلم لو كان فعلا مخلصا في البحث عن حلول لمشاكل مهنته فسوف يجدها ويستمتع بمهنة التعليم. حاول أيها المعلم أن لا تستمع لأولئك الذين يحاولون أن يسيئوا لمهنة التعليم بذمها، فإن ذلك قد يضرك أيضا، ولكن جالس المعلمين المخلصين في عملهم وحاول أن تستفيد من أساليبهم وأن تعرف لماذا هم ناجحون في مهنتهم ويحبونها، فبالتأكيد ستجد لديهم أسباب مقنعة لذلك مهما قيل لك عن سوء حال المعلم في البلدان العربية وقلة الاهتمام به وبتحسين أحواله المهنية. اعمل لوجه لله وأخلص لله في عملك فأنت مسئول عنه، واجعل من عملك الذي هو عبادة متعة لك ولطلابك.
البعض من المعلمين يشتكي من مشاغبة الطلاب وعدم وجود الدافعية لديهم ليتعلموا، وأقول أن هذا موجود في ظل مجتمعات يعظم إعلامها الفنانين الماجنين والمغنين، ولا تجد لأهل العلم والعلماء في إعلامها ذكرا، ولا حول ولا قوة إلا بالله، مع ما نجده من الدافعية المنخفضة جدا لدى الطلاب نتيجة سعي الناس وراء المال وحده وانتشار البطالة، فالطالب في هذه الأيام عادة ما يجد المجتمع يركز على ما يحصل عليه طلاب العلم من وظائف ومناصب، ولذلك فعندما أصبح الطالب الجامعي لا يجد وظيفة مناسبة أصبح العلم في نظر الكثيرين بلا فائدة، وأصبح لدى الطلاب أيضا هذه النظرة، أي لماذا أتعلم سنوات وأدخل الجامعة سنوات أخرى وفي النهاية لا أجد وظيفة لي في بلدي؟ وهذا تساؤل قد تعذر البعض عليه خاصة في هذا العالم المادي الذي يمجد المال وأهله، وفي هذا العالم الذي أصبحت البطالة فيه تهدد الشباب بالفقر والضياع، خصوصا أولئك أصحاب الإيمان الضعيف الذين لم تخشع قلوبهم للقرآن وهو يتلى عليهم: " الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم ". وعندما تأتيني الوساوس بشأن الرزق أتذكر هذه الآية فأحس بنوع من الاطمئنان مع ضعف إيماني الذي أرجو أن يقوى ليواجه التحديات بأنواعها، فبدون الإيمان يصبح الإنسان عرضة للخراب. نعود لحديثنا وأقول إن من أسباب المشاغبة لدى التلاميذ هو انخفاض الدافعية لديهم، ويقول لي ابن أخي الذي يدرس في الإعدادية أنه رغم أن إدارة المدرسة عندهم متشددة في مسألة الغياب إلا أن الكثير من الطلاب يغيبون. ويضيف: لو أن المدرسة لم تشدد في الغياب فأظن أن ذلك سيؤدي إلى غياب نصف الطلاب تقريبا!!!. هذه قضية خطيرة على الأمة جميعا، وأتذكر أنني قرأت أن التربويين في الولايات المتحدة دقوا ناقوس الخطر بسبب تراجع بسيط في أداء النظام التعليمي لديهم ما جعلهم يشعرون أن بعض الدول مثل اليابان قد سبقتهم في هذا المجال، فبدأوا بمشروع وطني ضخم جدا لتحسين نظام التعليم وتطوير أداءه، وفعلا قاموا بإعداده ونفذوه بحزم، بينما تجد أنظمة التعليم في بلادنا مهددة بالخطر ولا تحرك ساكنا، بل قد فشلت في الكثير من الأحيان في جعل الطلاب يتعلمون بعد أن وصل مستوى الدافعية لديهم إلى هذا المنحدر الخطير، فقومي يا أمة من سباتك العميق واستيقظي من غفلتك فالتعليم في خطر! أقول هذا وأنا مليء بالأسى على حالنا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
المعلمون لا يحبون مهنة التعليم، والطلاب لا يحبون الدراسة، والمدير كأنه يقود جيشا لا مدرسة، فكيف تريد لهذه الأمة أن تتقدم في تعليمها وأنت ترى دافعيتها للتعلم دون المستوى، فلماذا نفتح المدارس وننفق الأموال على العلم وفي النهاية لا نحقق أدنى ما نريده من ذلك!!
أين ذكر العلم في الإعلام! ألا يوجد لدينا غير المهرجانات أو الفنانين والفنانات الذين يتبادلون القبل أمام الناس لنتكلم فيها عبر إعلامنا ؟!! ألا يوجد لدينا تقدير للعلم وأهل العلم؟!! لماذا يفشل من يريد أن يتعلم في البلاد العربية فيذهب إلى الغرب الذي يستفيد منه كل الفائدة ويأخذ عصارة علمه وفكره؟!!
الحديث ذو شجون وقد وجدت نفسي أكتب هذا الموضوع فلا أقف عند حد ووصل بي الأمر إلى الحديث عن هجرة العقول فكلها أمور متشابكة في نظري، وأتمنى أن يتم نقاش الموضوع فهو جد مهم وخطير، مناقشته من زاويتين:
أسباب انخفاض الدافعية لدى الطلاب وطرق علاج ذلك
أسباب انخفاض الدافعية لدى المعلم للتعليم وطرق علاج ذلك، وكيف يحبب نفسه للمهنة